ابن قيم الجوزية
101
الروح
علما وأعرفه كما ينبغي يزيل عنك كل إشكال يورد عليك من داخل وخارج . وقد أرانا اللّه سبحانه بلطفه ورحمته وهدايته من ذلك أنموذجا في الدنيا من حال النائم ، فإن ما ينعم به أو يعذب في نومه يجري على روحه أصلا والبدن تبع له ، وقد يقوى حتى يؤثر في البدن تأثيرا مشاهدا ، فيرى النائم في نومه أنه ضرب فيصبح وأثر الضرب في جسمه ، ويرى أنه قد أكل أو شرب فيستيقظ وهو يجد أثر الطعام والشراب في فيه ، ويذهب عنه الجوع والظمأ . وأعجب من ذلك أنك ترى النائم يقوم في نومه ويضرب ويبطش ويدافع كأنه يقظان وهو نائم لا شعور له بشيء من ذلك ، وذلك أن الحكم لما جرى على الروح استعانت بالبدن من خارجه ، ولو دخلت فيه لاستيقظ وأحس ، فإذا كانت الروح تتألم وتنعم ويصل ذلك إلى بدنها بطريق الاستتباع فهكذا في البرزخ بل أعظم ، فإن تجرد الروح هنالك أكمل وأقوى ، وهي متعلقة ببدنها لم تنقطع عنه كل الانقطاع ، فإذا كان يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم صار الحكم والنعيم والعذاب [ في ] « 1 » الأرواح والأجساد ظاهرا باديا أصلا . ومتى أعطيت هذا الموضع حقه تبين لك أن ما أخبر به الرسول من عذاب القبر ونعيمه وضيقه وسعته وضمه ، وكونه حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة ، مطابق للعقل ، وأنه حق لا مرية فيه ، وأن من أشكل عليه ذلك فمن سوء فهمه وقلة علمه أتى كما قيل : وكم من عائب قولا صحيحا * وآفته من الفهم السقيم وأعجب من ذلك أنك تجد النائم في فراش واحد ، وهذا روحه في النعيم ويستيقظ وأثر النعيم على بدنه ، وهذا روحه في العذاب ويستيقظ وأثر العذاب على بدنه ، وليس عند أحدهما خبر بما عند الآخر ، فأمر البرزخ أعجب من ذلك . فصل [ أمر الآخرة من الغيب ] الأمر الرابع : أن اللّه سبحانه جعل أمر الآخرة وما كان متصلا بها غيبا وحجبها عن إدراك المكلفين في هذه الدار ، وذلك من كمال حكمته ، وليتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم ، فأول ذلك أن الملائكة تنزل على المحتضر وتجلس
--> ( 1 ) زيدت على المطبوع لوضوح العبارة .